في أعقاب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، شهدت مصر زيادات متتالية في أسعار البنزين والسولار بواقع ثلاثة جنيهات للتر؛ قبل أن تعلن الحكومة حزمة إجراءات وُصفت بـ«الاستثنائية» لمدة شهر، اعتبارًا من 28 مارس، لمواجهة تداعيات الحرب.

 

وشملت هذه الإجراءات: إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض إنارة الشوارع إلى أدنى مستوى ممكن، فضلًا عن إغلاق المحال التجارية والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساء. وأعلنت الحكومة عن إمكانية تطبيق نظام العمل من المنزل يومًا أو يومين أسبوعيًا في القطاعين العام والخاص؛ لترشيد استهلاك الكهرباء.

 

والأسبوع الماضي، أعلن رئيس مجلس وزراء السيسي، الدكتور مصطفى مدبولي، ارتفاع فاتورة استيراد الغاز من 560 مليون دولار شهريًا إلى نحو 1.65 مليار دولار.

 

أزمة قطاع الطاقة

 

وقال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، لموقع «الحرة»، إن ما يحدث الآن في قطاع الطاقة المصري شبيه بما حدث أثناء الحرب على غزة.

 

ويبلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي نحو 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، في حين يصل الاستهلاك إلى 6 مليارات شتاء، و7.3 مليارات قدم مكعب يوميًا صيفًا، بحسب يوسف.

 

وأوضح أن واردات الغاز الإسرائيلي تصل في ذروتها إلى 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا، لكنها تتراجع أو تتوقف تمامًا في أوقات التوتر؛ كما حدث خلال الحرب على غزة، ويتكرر الآن في ظل التصعيد مع إيران.

 

وتواجه مصر حاليًا عجزًا يتراوح بين 2 إلى 2.2 مليار قدم مكعب يوميًا، يتم تعويضه عبر محطات إعادة التغييز المنتشرة في خليج السويس وميناء العقبة الأردني، والتي تغطي نحو 2 مليار قدم مكعب يوميًا فقط.

 

ارتفاع استهلاك الكهرباء في الصيف

 

لكن يوسف قال إن هذا التوازن الحالي قد لا يصمد طويلًا؛ بخاصة مع دخول فصل الصيف، حيث يرتفع استهلاك الكهرباء وتنخفض كفاءة التوليد بسبب الحرارة، ما يستدعي استمرار واردات الغاز الإسرائيلي، أو اللجوء إلى بدائل أكثر تكلفة مثل المازوت، أو التوسع في محطات إعادة التغييز.

 

وذكر أن أحد أبرز مزايا الغاز الإسرائيلي يتمثل في انخفاض تكلفته، نظرًا لنقله عبر خطوط أنابيب مباشرة؛ مما يوفر تكاليف الإسالة والنقل البحري والتأمين.

 

وقال الخبير الاقتصادي هشام بدوي إن انخفاض سعر الغاز الإسرائيلي، إلى جانب القرب الجغرافي، شكلا دافعًا رئيسًا لاعتماد مصر عليه؛ لكنه حذّر من أن هذا الاعتماد خلق حالة من «الاطمئنان المفرط».

 

وأشار إلى أن ما وفرته مصر ماليًا خلال فترات الاستقرار تبخر مع اندلاع التوترات الجيوسياسية؛ حيث قفزت فاتورة الاستيراد لنفس الكميات بشكل كبير.

 

اتفاقية توريد الغاز الإسرائيلي لمصر

 

وكانت مصر وإسرائيل وقعتا اتفاقًا جديدًا في ديسمبر الماضي لتوريد الغاز بقيمة نحو 35 مليار دولار؛ وهو ما يمثل توسعًا كبيرًا مقارنة باتفاق 2019.

 

وبموجب الاتفاق، سترتفع الكميات الموردة إلى نحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، اعتمادًا على إنتاج حقل ليفياثان شرق المتوسط، مع بدء التوريد الجزئي اعتبارًا من عام 2026، عقب استكمال توسعة خطوط الربط. ويعزز هذا الاتفاق من موقع مصر كبوابة رئيسة لتصدير الغاز إلى أوروبا والأسواق العالمية.

 

وبحسب بدوي، فإن تحميل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي كامل المسؤولية عن أزمة الكهرباء في مصر ينطوي على قدر من المبالغة، مشيرًا إلى أن تراجع الإنتاج المحلي المصري، بالتوازي مع الزيادة الكبيرة في الطلب، إضافة إلى الضغوط المالية التي تعرقل الاستثمار في الاستكشافات الجديدة، كلها عوامل أساسية في تفاقم الأزمة.

 

مسارات بديلة لنقل النفط والغاز

 

وفي المقابل، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة إنشاء مسارات بديلة لنقل النفط والغاز بعيدًا عن مضيق هرمز والبحر الأحمر؛ عبر خطوط أنابيب تمتد غربًا عبر شبه الجزيرة العربية.

 

غير أن الدكتور ممدوح سلامة، خبير النفط، استبعد إمكانية تنفيذ هذا الطرح، مؤكدًا أن نقل نحو 20 مليون برميل يوميًا يتطلب بنية تحتية هائلة وتكلفة باهظة، فضلًا عن تعقيدات سياسية كبيرة.

 

وأضاف أن موافقة دول الخليج على مثل هذا المشروع تعني عمليًا وضع صادراتها النفطية تحت إدارة إسرائيل؛ وهو أمر غير واقعي، مؤكدًا أن مضيق هرمز سيظل الخيار الرئيس لتصدير النفط عالميًا.

 

وفي المحصلة، اعتبر التقرير أن أزمة الطاقة الراهنة تكشف عن هشاشة التوازنات التي يقوم عليها أمن الطاقة في المنطقة؛ حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية الداخلية لتنتج مشهدًا شديد التعقيد.

 

ويظل الرهان الحقيقي في مصر على بناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستدامة، قادرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية؛ وهو ما يفرض إعادة النظر في سياسات الاعتماد ومصادر الإمداد قبل أن تتفاقم الأزمة.